Friday, 27 March 2009

المذكرة الأولى

أبحث عن مذكرات بحّار، ألا أجدها في مكان تعرفينه؟

عندنا في المكتبة أتريدين استعارتها؟

لا، أريد اقتناءها، أريدها لي و بين يدي

أذكر شغفك بها منذ الطفولة، ظننتها عندك

أريدها، لطالما مرت على خيالي نسائم رحلاته

سأسأل والدي، ربما يعرف مكانها

و رحت أبحث عن مذكرات البحّار التي ضاعت فلا ندري سبيلا إليها. بحثت عنها في شارع فهد السالم و الشارع الجديد لقربها من البحر فأخبرني أحد الكُتبية أنني سأجدها في حَوَلّي. و في حَوَلّي تمشيت و كلّي جهل بهذا البحّار الذي أبحث عن مذكراته و لا تعتريني إلا الرغبة الموروثة في إيجاد كتاب ضائع، و في حالتي، كتاب غير معلوم كنهه و لا محتواه.
وجدت المذكرات منسوخة و مصفوفة للبيع في دكان للكتب، ما أحقر نهاية الأفكار و الأيام. اشتريت نسختان إليها و إليّ، أحبها رفيقة الطفولة. أحطت الكتاب بمظروف و سلمته إليها، فرِحَت كثيرارفيقة الطفولة و أوصتني:

كل يوم قبل أن تنامي، إقرأي مذكرة

ودعتها قائلة: أتركك الآن لتبحري معه

و بعد أن اقتنينا مذكراته في جو من المراهقة الساذجة المنعشة، قلّبت أوراقها و فككت رموزها و ما أصعبها من رموز حين تقاطع العين دموع المُقَل، و انتقلت إلى حالة عمرية مجهولة. على المسنّة قرأتها. المطر يهمس للبحر و الموج يغازل الرياح و الرعد يزجر الغيوم فتُعيد دائرة الماء روحَك.

-
أركبت مثلي البوم و السنبوك و الشوعي الكبير؟
أرفعت أشرعة أمام الريح في الليل الضرير؟
هل ذقت زادي في المساء على حصير؟
من نخلة ماتت و ما مات العذاب بقلبي الدامي الكسير
أسمعت صوت دجاجة الأعماق تبحث عن غذاء
هل طاردتك اللخمة السوداء و الدول العنيد؟
و هل انزويت وراء هاتيك الصخور؟
في القاع و الرماي خلفك كالخفير
يترصد الغواص. هل ذقت العذاب؟
مثلي و صارعت العباب
أمسكت مفلقة المحار؟
في الفجر مرتجفا لتكتمل القلادة
في عنق جارية تنام على وسادة
ريشية في حضن سيدها. و رائحة المحار
بإزارك البحري تعبق. و البحار
مملوءة درا سيملكه سواي
كحقول تلك الأرض. يا دنيا العذاب
ما ذاق مرك مثل بحار تقاذفه العُباب
عريان إلا من سواد
تتهيب الأسماك منه. و البحار
أحنى من الأرض التي مَحَلَتْ. فلا عطر يضوع
فيها و لا نبتت كروم
مهما تلبدت الغيوم و أمطرت كل السماء
تبقى ككفٍ بخيلة تأبى العطاء
أواه ياأرض الحرائق و السموم
البحر أحنى من ضفافك، و الشراع
أذرى إليّ من الصنوبر، يا بحار
الملحُ فيك ألذ من عنب الدوالي في المدينة
فخُذي شراعي يا رياح خذي السفينة
سأعيد للدنيا حديث السندباد
ماذا يكون السندباد؟
شتان بين خيال مجنون و عملاق تراه
يطوي البحار على هواه
بحباله
بشراعه
بإرادة فوق الغيوم
بيد تكاد عروقها الزرقاء ترتجل النجوم
يا أرض يا كهف الهموم
من أمس أمس و لم تزالي مثل ماخضة بها مات الجنين
لا السحر ثبّط من جماحك لا و لا الحق المبين
من عهد قابيل و قمحك كل عام
يسطو عليه الدود يا أرض الظلام
مصباحي النفطي يلهث مثل عيني لا تنام
تترصد الآفاق تبحث عن ضفاف
و تهب عاصفة فتطفئه. و يرتفع النهام:
ضوء الشموع
من وهج عينيها فذوبي يا ضلوع
و الجوع و الجُدري في الأرض الحزينة
و ترصد الأسماك للبحّار في غرق السفينة
و الموت في غرقٍ أجلُّ من البقاء
في عالم فيه مكان لابن آوى و القرود
إلا أنا
ما دمت حيا فالبحار
مأواي. أو باع قصير
في الأرض حين أموت. يا ملح البحار
ستكون شهدا عن قريب. و النهار
سيطل مثل عيونها. ألقوا الشراع
و دعوا السفينة يا رفاقي في الضفاف
ها نحن عدنا ننشد الهولو على ظهر السفينة
من رحلة الصيف الحزينة
ها نحن عدنا للمدينة
و لسوف نبحر حين تمطر في الشتاء
فإلى اللقاء [١]
-

و ركضت عائدة إلى بحر خاصمته سبعين عاما، أين غواصي العظيم؟ أين رائحة القفال و زحمة الحريم؟ و ما زلت في اقتراب و أنا أرى على الرمال اللؤلؤ المنثور، و ما زلت في اقتراب حتى صار حبوب قِصّيع و خدود العجوز، داخلها هواء، و تدور مع النسيم و تدور و تدور، لكنها أبدا لا تطير.

يا أيها النائي إلى زمن بعيد، زمن يلطم البحر وجه الأرض على موت الرجال، و أي رجال.

بحّاري الحبيب، في نفسي عادة موروثة أن أكون زاد الأساطير ليحلو ليلك المالح، و في نفسي انتظار لقلائدي التي وعدتني بها... عيناك قلائدي، يا حلاتها حين تلمع بين حكايا الهند و زنجبار. أقصها حكاياك على النساء بفخر النساء، و عندما ترينك عائدا وقت القفال تتلفعن بطرف العباة و تتلفتن على بعضهن و تتهامسن. في البحر عزك و أنا هنا بعبايتي حول جسدي تواسيني، تقبّلني تذكرني بشفاهك الجافة.

بحّاري لقد لفّتنا عواصف الغبار، فاختفت مرامي البحار. لم نعد نجلس بالذرى ننتظر السفينة، و عافت الأثواب عطرك فلم نعد نغسل بالبحر ملابسنا الثمينة. بحّاري اختلط تاريخك بأساطير السندباد، و شاب البحر فلا نرى على الخليج إلا أطفال يلعبون بأطرافه و يتراشقون مياهه و كأن لم يكن يوما مَلِك البحار. بحاري الحبيب، إن كنت حزينا من أهوال تراها، فمدينتنا الآن من لا شيء حزينة.

لست أهوى ترديد أمجاد تقادمتها السنين، و لكني سأجلس على ذات المسنّة، أحيك لك قحفية، و أدعو مع كل عقدة أن تعود و يصدقني الأطفال لعل يولد في قلوبهم بحّارة صغار




١. المذكرة الأولى،
مذكرات بحّار ١٩٦٢ للشاعر محمد الفايز ١٩٣٨-١٩٩١

6 comments:

khawla said...

:'(

Fahad Al Askr said...

كان رائع في شعره

لخص حياة البحر رغم أنه لم يصعد على ظهر سفينة في حياته أبدا

Deema said...

Khawla,

(...)

Fahad,

محمد الفايز، وُلد في سنة المجلس و توفى سنة التحرير

رسالتي ليست إليه، إنما إلى غواص كتب بقلمه، غواص ربما رغب أن يكون، أو تخيل أن يكون
ذلك الغواص الذي تحلم فيه كل امرأة
و تترقب الهوا و صوت الناس، بقرب عودته

كل من يقول لي انتي تحلمين، و الغواص شبع موت، لكني سأظل أكتب إليه ربما أسمع عن قريب حسك يا مركب

Nikon 8 said...

مذكرات بحار من أقرب القصائد لقلبي
أشتاق لكلماتها وتصويرها الدقيق لمعاناة أجدادنا مع البحار وشجاعتهم
الشاعر الفايز صور لنا يوميات البحار شعرا وكأني أرى فيلم سينمائي
مع إنه ما دخل بحر
!!!!
الله يرحمه ويرحم بحارتنا ونواخذتنا جميعا
ديمه : تصدقين أكثر الأبيات ثأتيرا علي لما يقول إن يبحث عن الؤلؤ لتكتمل قلادة سيدة ما ويظل صدر زوجته
خاليا من قلادة

Deema said...

nikon 8

الله يرحمهم، و يخلينا نشوف مثلهم

The Simper said...

this is lovely.. i haven't read the whole poetry of alfayiz, but i memorize all what shadi el khaleej sang from those lovely words.. and while writing this i am listenting to him!

thanks deema!

http://www.youtube.com/watch?v=hRBBoDP0GVk

http://www.youtube.com/watch?v=ilEuXkgD8bk&NR=1