Tuesday, 18 May 2010

بيّاع البرّد

أذكر مرور أيام كانت تسير بها أموري بسلاسة عجيبة رغم غرقي بالمشاغل، و لما أخبرت صديقتي بجمال تلك الأيام و فرحتي بالقدر حينها، و بتمني تجسده لشكره رسمياً، كنت أتساءل عما إذا كان القدر شخصاً عادياً يعيش بيننا، متخفٍ بملابس الحياة؟ ماذا لو كان بيّاع البرّد مثلاً؟ و من هنا نشأت حماستي بأن أقوم بزيارة كل من أشتبه به أن يكون القدر لأسمع قصته. ثم سمعت عن اعتصام في "ساحل" الإرادة من أجل الحرية، و لطالما أردت أن أرى هذه الحالة من جانب بلاغة الشف، فليس في نفسي أية حمية أو حماسة لأي موضوع يطرح بقدر رغبتي برؤية الحدث. فذهبت إلى هناك متحاشية الحشد الأبيض الذي دائماً ما يفزعني من بعيد، متجهة إلى بيّاع البَرّد؛ حدثي الأهم.

سلمت عليه و قلت له أنني أريد الجلوس معه و السؤال عن حياته فرحب بذلك بأدب جم . التقطت له صورة -التي ترونها هنا- ثم قال لي أن اسمه معاذ محمد خلف، مواليد ١٩٨٣ و من سكان صهاج(١) في صعيد مصر. حاصل على ليسانس آداب قسم التاريخ من جامعة جنوب الوادي ٢٠٠٤. تخرج الثالث على دفعته، و كان حلمه أن يكون معيداً في الجامعة، و لكن جامعته أخذت الأول و الثاني و لم تقبله في البعثة، و لذا قرر أن يدرس على حسابه، فسافر إلى أخوه الذي يكبره سناً و الذي يعمل مهندس بترول في الكويت. و عاش معه هو و أخويه الآخرَين في شقة في منطقة دسمان و التي إيجارها ١٢٠ دينار في الشهر، يعمل صباحاً مدخل بيانات في جامعة الكويت، و عصراً في بيع المثلجات على ساحل البحر و يتابع رسالة الماجستير مع دكتورة منتدبة إلى الكويت من جامعته

والده مزارع و أمه ربة منزل، له أخت غير متعلمة، و أخته الأخرى طبيبة و مهاجرة مع زوجها إلى فرنسا. يقول أن الأهل في الصعيد لا يلزمون الأبناء على شيء، و لا يتناصحون بالأفضل و الأجدر، فرغم أنه كان حاصلاً على نسب عالية في الثانوية، دخل قسم التاريخ لأن صاحبه اختاره، كان يتمنى أن يدرس الصحافة و لكنها تحتاج ما ليس فيه من الجرأة. له من العيال ثلاثة توائم؛ ولدين و بنت: مهند و معتصم و حنين، و زوجته اسمها أميرة و هي خريجة آداب قسم علم نفس و حاصلة على درجة الماجستير، و هم يعيشون في مصر

سألته عن سبب حضوره للكويت فقال بأنه و هو هناك في مصر كان يشعر بالغربة حيث أن أغلب أهله هنا في الكويت و الآخرون إما مهاجرون أو مقيمون و لكن مشتغلون بما لا يوافقه من مهن. ثم سألته عن سبب اشتغاله ببيع البرّد عصراً فأجاب بأنها مهنة حرة من الالتزامات الرسمية و لها مردود لا بأس به حيث أنها تدخل تقريباً دينارين في اليوم -أي ٦٠ دينار في الشهر- مضافاً إلى راتبه الصباحي، و لكن الأمر أصعب على أخوه و الذي يشتغل ببيع البرّد كمهنة أساسية فيجب أن يجتهد أكثر للربح، استرسل بعد ذلك بالحديث عن هذه المهنة التي اعتاد غرائبها مع الزمن، فيقول أنه عادة لا يختلط بغيره من بياعي البرّد و هو لا يقصد كبراً في ذلك و إنما لا يرى نفسه منسجماً أولاً بسبب طبيعته المنطوية و ثانياً لأن أغلبهم غير متعلمين فلغتهم و طريقة تفكيرهم مختلفة عنه.

و من ناحية الزبائن فيقول بأن الناس هنا لا ترى فيهم الوسط فهم إما غاية في اللطف أو غاية في الوقاحة، و يحكي في الوقاحة عن امرأة جاءته بغضب بعد أن باع على أولادها بمئتي فلس بينما باع للآخرين بأقل من ذلك - و الفرق بينهما كان النوع- و لكنها اتهمته بالنصب و هددته بأن تضربه بنعالها. و عندما رد عليها بأن تصون لسانها، ذهبت إلى الشرطي و اشتكت عنده بأنه تحرش بها، فحمد معاذ ربه أن الشهود كثر حوله و هو في مكان للنزهة و إلا لكانت لبسته تهمة عقوبتها ٣ سنوات

أما من ظريف ما يرى في يومه فهو استغلال الشباب له في تبادل الرسائل و أرقام الهاتف، أو أن يأتيه طفل يجزم بأنه كان يبيع قرب بيته، و أنهم كانوا يبعثون له الغداء كل يوم. سألته عن تأثرهم بعوامل الجو، و لكن يبدو أن الأمر ليس بذي أهمية كبيرة بالنسبة إليه ربما بسبب طبيعة عملهم المتنقلة أو ربما هو شخصياً لا يهتم لذلك. استفسرت أخيراً عن ردة فعله تجاه ما يحدث من تجمعات و اعتصامات في هذه المنطقة، فقال أنها مربحة و لكن العديد من المتنزهين يبتعدون عن هذا المكان ما أن يروا تجمعات سياسية، و ذلك غريب على شخص اعتاد شعباً يحتشد مع الحشد

شكرت معاذ على وقته الذي تخللته مقاطعات المشترين، و مداعبات الأصدقاء و المارين و خطابات المطالبة بالحرية، و اشتريت منه برّد و ذهبت

(١) سوهاج

23 comments:

aL-NooR . said...

عورني قلبي
معاذ شحص مستعد
يحفر على الصخر عشان
يتعلم ..مستعد يسوي اي شي
الله ..لو شنو الكويتي حتى ماسترز اصلا ما يفكر فيها


الله يسهل دروب معاذ
و نشوفه رئيس جمهوريه مصر
;)

************************

الزين said...

الحديث مع البسطاء

يجعلنا ندرك حجم ما نملك من راحة بال ورفاهية وتوفر لكل ما ترغبه انفسنا

الكدح وراء لقمة العيش
متعب
لكنه جميل

هم من يعرفون قيمة الحياة اكثر منا
..


دائما مختلفه

حبيبت الموضوع وايد

dhuha said...

وايد حلو.. للحين أفيد شي سويته من ييت الدوام إني قريت القصة

Deema said...

النور

ياما على هامش الحدث من أحداث :)

-

الزين

الحديث مع البسطاء يجعلنا ندرك أنهم ليسوا حقاً بسطاء، و أن رؤيتنا هي التي كانت بسيطة

-

ضحى

:-)

عثماني said...

اعجبني ذكرك لمدينة " سوهاج " كما يذكرها أهلها .. " صهاج "

الصعيد جواني كما يطلق عليها احينا ... اذكر اني مكثت في هذه المدينة عدة ايام .. و احسب اني الكويتي الوحيد الذي يقضي بها فترة من الزمن برفقة عدد من الاصدقاء الصعايدة الطيبين

اهل هذه المدينة .. و معاذ منهم طبعا .. لهم طبيعة مختلفة و نكهة خاص في الحياة

حتى اللهجة الجميلة التي يتحدثون بها ... مميزة

معاذ كما اراه نموذجا جيدا لمواجهة هذه الحياة ، من المحزن ان مجتمعنا في الكويت يفتقر لهذه النماذج

:(

اعجبني السرد و بناء الحوار ديمة

بارك الله بك

ma6goog said...

الله يحفظج انشاءالله

طاقة انسانية جبارة أتمنى ان تنقليها الى أكبر عدد من الأوادم

Deema said...

عثماني

انا لم أتأكد من اسم المدينة و اعتمدت على نطقه لها، شكراً
:)


شرح لي عن تقاسيم الصعيد و أخبرني أن منطقته أقرب إلى أسيوط، لكن عجزت أن أتخيلها و أرجع أشرحها

و أوافقك على اللهجة، فقد لفتت انتباهي، له لهجة واضحة و مخارج الحروف فيها نقية، و بليغ في انتقاء الألفاظ. كما أن روحه سمحة و مرتاحة رغم صغر سنه

:)

-

ma6goog
شكراً، أخجلتمونا
:)

في الغالب يصعب أن تستوقف الناس، و لهذا فضلت أن أذهب لناس واقفين

حالِمه .., said...

يعجبني إنسان كـ معاذ..،
ليش أُعجب بـ كفاحهم بس ما أتجرأ أسوي مثلهم//

أبيع برّد وما يهمني كلام الناس القراب ولا البعاد..،
ودي أتمرد على نظرة المجتمع البايخه

شكراً ديمه على نظرتج وفكرتج الجميلة اللي نقلتيها..،
الله يوفق معاذ وكل بياع برّد مكافح وشريف
:)

Seema* said...

من كان يتوقع قصة كهذه من
"يبّاع البرّد"
الله يسهل عليه ويوفقه
:)

Deema said...

حالمة
تمردي عادي
ترى الكويتيين ألحين صار عادي عندهم، لكن الفرق إن الكويتيين يبيعون برّدهم في قاعة فندقية

-

سيما
اي و الله، أنا تعجبت بعد

Shaikha said...

ليش بيّاع البرّد ؟

قصة غير متوقعة كلياً، في موعد من امتنان يمكن ؟
الله يسمح دوربه بالحياة.

ديمه،
اذا حسيتي انج بتصفعين -أحياناً- القدر .. شنو ممكن تسوين ؟

Deema said...

شيخة
لأني ببساطة لما كنت قاعدة أكلم رفيقتي كان فيه بياع برد على الدوّار
:)
هو شخص موجود لدرجة الاعتياد، و معتاد لدرجة النسيان

اذا حسيتي انج بتصفعين -أحياناً- القدر .. شنو ممكن تسوين ؟
أكتب رسالة

:)

Flamingoliya said...

يشعر بالغربة بمصر على الرغم من وجود زوجته وآبنائه الثلاث؟

Deema said...

أنا بعد استغربت هالشي :)

Anonymous said...

ديمه .. في السابق عند قراءتي لمدونتك كنت تفحمينني بالموضوع من راسه لي ساسه، لكن الآن أصبحت ردودك للقراء "درر" من الضروري توثيقها

بالتوفيق :)

Deema said...

Anonymous,

عاد هالايام بالذات صايرة ما ادري شارد على القراء و اتوهق

:) شكراً

Purplecious said...

برّد شنو؟

:)

Deema said...

purplecious,

بترا :)

بس حاط شمسية كي دي دي

Purplecious said...

هاهاهاها

انزين اي نوووع؟؟

ابي اعرف ذوقج

:)

Deema said...

purple,

انا احب كي دي دي اكثر بس من بترا أحب الذهبي المستطيل الكاكاو داخله فانيليا

و من كي دي دي احب لولي توت و موز و ذهب و ساعات أشتهي ساندوبش مع ان ما يشبع

;p

EarthQuaker said...

احلى مافي الموضوع بساطته وابداعج بانتقاء الشخص ومن الردود لاحظت الاغلبيه منصدمين من انه "بياع برد" وغير هذا تقبله للحياة بكل رحابة صدر مع العلم انه حامل ماسترز وغيره عندهم دبلوم تجاري ما يرضى الا بدوام شفت واحد ويكون قريب من البيت ومعاشه فوق ال 700 ولا ما يداوم :p

يعطيج العافيه امتعتينا ولو اني قريتها متاخر


P.S: al-noor في كويتيين عندهم ماسترز ودكتوراه ومستعد اخليج تقابلينهم اذا حابه والتعميم مو حلو :)

Deema said...

EarthQuaker,

أهلاً و سهلاً
:)
حيالله من يانا
شكراً، هناك الكثير من الناس و الأشياء أمامنا و نكاد لا نراها

و عادة من يكدح و يعمل لا أحد ينظر إليه، فإما أن تكون مشغولا عن الناس أو مشغولا بهم

DK said...

mashallah! sj nass t7fr bl9akhr !